فخر الدين الرازي

161

تفسير الرازي

قسمان : ثواب جسماني وهو نعيم الجنة ولذاتها وطيباتها ، وثواب روحاني وغايته أن يتجلى له نور جلال الله تعالى ، وينكشف له بقدر الطاقة علو كبرياء الله وذلك بأن يصير غائباً عن كل ما سوى الله تعالى ، مستغرقاً بالكلية في نور حضور جلال الله تعالى ، فقوله * ( وارحمنا ) * طلب للثواب الجسماني وقوله بعد ذلك * ( أنت مولانا ) * طلب للثواب الروحاني ، ولأن يصير العبد مقبلا بكليته على الله تعالى لأن قوله * ( أنت مولانا ) * خطاب الحاضرين ، ولعلّ كثيراً من المتكلمين يستبعدون هذه الكلمات ، ويقولون : إنها من باب الطاعات ، ولقد صدقوا فيما يقولون ، فذلك مبلغهم من العلم * ( إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى ) * ( النجم : 30 ) . وفي قوله * ( أنت مولانا ) * فائدة أخرى ، وذلك أن هذه الكلمة تدل على نهاية الخضوع والتذلل والاعتراف بأنه سبحانه هو المتولي لكل نعمة يصلون إليها ، وهو المعطي لكل مكرمة يفوزون بها فلا جرم أظهروا عند الدعاء أنهم في كونهم متكلمين على فضله وإحسانه بمنزلة الطفل الذي لا تتم مصلحته إلا بتدبير قيمه ، والعبد الذي لا ينتظم شمل مهماته إلا بإصلاح مولاه ، فهو سبحانه قيوم السماوات والأرض ، والقائم بإصلاح مهمات الكل ، وهو المتولي في الحقيقة للكل ، على ما قال : * ( نعم المولى ونعم النصير ) * ( الأنفال : 40 ) ونظير هذه الآية * ( الله ولي الذين آمنوا ) * ( البقرة : 257 ) أي ناصرهم ، وقوله * ( فإن الله هو مولاه ) * ( التحريم : 4 ) أي ناصره ، وقوله * ( ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم ) * ( محمد : 11 ) . ثم قال : * ( فانصرنا على القوم الكافرين ) * أي انصرنا عليهم في محاربتنا معهم ، وفي مناظرتنا بالحجة معهم ، وفي إعلاء دولة الإسلام على دولتهم على ما قال : * ( ليظهره على الدين كله ) * ( التوبة : 33 ) ومن المحققين من قال : * ( فانصرنا على القوم الكافرين ) * المراد منه إعانة الله بالقوة الروحانية الملكية على قهر القوى الجسمانية الداعية إلى ما سوى الله ، وهذا آخر السورة . وروى الواحدي رحمه الله عن مقاتل بن سليمان أنه لما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء أعطى خواتيم سورة البقرة ، فقالت الملائكة : إن الله عزّ وجلّ قد أكرمك بحسن الثناء عليك بقوله * ( آمن الرسول ) * فسله وارغب إليه ، فعلمه جبريل عليهما الصلاة والسلام كيف يدعو ، فقال محمد صلى الله عليه وسلم : * ( غفرانك ربنا وإليك المصير ) * فقال الله تعالى : " قد غفرت لكم " فقال : * ( لا تؤاخذنا ) * فقال الله : * ( لا أؤاخذكم ) * فقال : * ( ولا تحمل علينا إصراً ) * فقال : " لا أشدد عليكم " فقال محمد * ( لا تحملنا ما لا طاقة لنا به ) * فقال : " لا أحملكم ذلك " فقال محمد * ( واعف عنا واغفر لنا وارحمنا ) * فقال الله تعالى : " قد عفوت عنكم وغفرت لكم ورحمتكم وأنصركم على القوم الكافرين " وفي بعض الروايات أن محمداً صلى الله عليه وسلم كان يذكر هذه الدعوات ، والملائكة كانوا يقولون آمين .